Share
Go Live
Silent Betrayal
·
Published 10/4/2026
أنا ما أحب القهاوي. ما أحب ريحة الدخان ولا صوت الطاولات ولا هالأجواء اللي يحس بيها الواحد إنه قاعد بغرفة انتظار بالموت. بس يزن يحبها. ويزن إذا حب شي، يصير مثل الولد الصغير، يريدك تشاركه غصب.
"عمر، تعال. ساعة بس."
ساعة. كل مرة ساعة. وكل مرة أرجع البيت ريحتي دخان وقهوة وسمعة سيئة لأني أركض ورى يزن بكل مكان.
قعدنا بالزاوية البعيدة، قرب الشباك اللي يطل على الشارع المزدحم. بغداد ما ترتاح. حتى الساعة أربعة العصر، الشارع مليان تكاسي وباعة متجولين ونسوان راجعات من السوق. يزن طلب شاي وقهوة عربية، وأنا طلبت بس شاي. ما أحب القهوة العربية، تصير معدتي حجر.
"شفت شي جديد؟" سألني يزن وهو يشعل سيكارة.
"شنو الجديد؟"
"ولا شي. بس أسأل."
هذا يزن. يسأل أسئلة ما إلها معنى، بس هو يريد يفتح موضوع. أعرفه من أول يوم صرنا أصدقاء، من أول متوسط. أربع سنين ونحن سوا، وأعرف متى يزن يريد يحچي عن شي، ومتى يريد يسكت. هسه يريد يحچي.
"خير، يزن. عندك شي."
ضحك. ضحكة قصيرة، من أنفه، مثل اللي يحاول يخفي شي.
"لا لا، والله ما عندي شي."
كذب. واضح كذب. بس أنا ما أحب أضغط عليه. يزن إذا ضغطت عليه يسكت أكثر. مثل القنينة، إذا شديت الغطاء بقوة ما تفتح.
جلسنا نص ساعة تقريباً وهو يحچي عن مباراة الأمس، عن لاعب ما أعرفه، عن واحد من رفقاته بالجامعة. وأنا أسمع وأهز راسي وأشرب الشاي اللي طلع بارد من أول رشفة.
وبعدين دخلت هي.
ما شفتها دخلت. حسيت بيها. مثل لما تمر وحدة قدامك وتترك ريحة عطر، بس هاي ما تركت ريحة بس. تركت هواء. الهواء تغير. صار أثقل، أدفأ.
رفعت راسي وشفتها واقفة عند الكاشير، تحچي مع صاحب القهوة. شعرها أسود طويل، مرفوع بنصه بأبزيم ذهبي. جسمها... ما أعرف شلون أقولها. جسمها مثل شي ما تشوفه كل يوم. قميصها الأبيض ضيق شوي، وواضح إنها تعرف هذا، ومثل ما يهمها. تعرف إنها حلوة. هذا الشي يبين من طريقة وقفتها، من طريقة ما تحرك يدها وهي تحچي.
عمرها ثلاث وثلاثين. عرفت هذا بعدين. بس هسه، من بعيد، شفتها بس. شفت إنها أكبر مني. أكبر من يزن. أكبر من أي وحدة جلست وياها بحياتي.
ورجعت لشايي. لأني ما أحب أطالع بالنسوان. مو لأني مؤدب، بس لأني ما أعرف شنو أسوي إذا شافتني أطالع. أحس روحي أغبى واحد بالدنيا.
بس يزن ما رجع لشايي. يزن ظل يطالع.
"عمر."
"هه؟"
"هذي هي."
قلت شنو هي؟ بس ما طلع الصوت. بلعت الشاي غلط وشرقت.
"هذي هي اللي حچيتلك عنها."
ما حچى لي عن أي وحدة. ما حچى لي عن شي. بس يزن كان يطالعني بنظرة... نظرة غريبة. نظرة مثل اللي ينتظر مني شي. مثل اللي يعرف إني راح أفهم، وإذا ما فهمت، راح يزعل.
"يزن، شنو تحچي؟"
"هيام. أم صديقي."
"شنو؟"
"أم صديقي. من الجامعة. صديقي اللي حچيتلك عنه، حيدر."
حيدر. أذكر يزن حچى عن حيدر مرة أو مرتين. واحد من كلاسه، ما يعرفه زين، بس يقعد وياه على نفس الطاولة.
"وأم حيدر..."
"هيام."
"هيام. شنو بيها؟"
يزن سكت. شفط من سيكارته شفطة طويلة، وطلع الدخان ببطء، وراقبني من ورا الدخان.
"أنا أحبها."
الكلمة طلعت منه مثل شي كان يخزنه من مدة. مثل حجر رماه على الطاولة بيناتنا.
أنا ما ضحكت. ما سخرت. بس ما عرفت شنو أقول.
"تحبها؟"
"أي."
"يزن، هذه أم صديقك."
"أعرف."
"وعمرها..."
"ثلاث وثلاثين. أعرف."
"وهي..."
"ما تعرف."
هنا وقفت. حطيت الكاس على الطاولة وشفت بيه. يزن كان يطالعني، وعينه ما بيها خجل. ما بيها خوف. بيها شي ثاني. شي مثل التحدي.
"شنو يعني ما تعرف؟"
"يعني ما حچيتلها. بس..."
"بس شنو؟"
"بس هي تحس بيه. أنا أعرف إنها تحس بيه."
هنا حسيت إن الأرض تحت رجلي صارت رمل. هذا مو كلام يزن اللي أعرفه. يزن اللي أعرفه يحچي عن كرة القدم وعن السيارات وعن البنات اللي بالجامعة. مو عن أم صديقه.
"يزن، هذا غلط."
"ليش؟"
"لأنها... لأنها أم صديقك. ولأنك..."
"لأني شنو؟"
"لأنك تسعة عشر سنة وهي ثلاث وثلاثين. ولأن عمرك مثل عمر ولدها."
يزن ضحك. ضحكة قوية هالمرة، من قلبه. وشافني مثل اللي شاف واحد قال نكتة قديمة.
"عمر، أنت تفكر مثل عجوز."
"أنا أفكر مثل واحد عنده عقل."
"لا. أنت تفكر مثل واحد خايف."
هذا الجرح. يزن يعرف وين يضرب. يعرف إني أخاف من أشياء كثيرة، ويعرف إني ما أحب أعترف بهذا، ويعرف إنه إذا قال لي "خايف" راح أسكت.
سكت.
رجع يشعل سيكارة ثانية. أنا شفت هيام مرة ثانية. كانت هسه قاعدت على طاولة قريبة من الباب، لحالها، تشرب قهوة وتقرأ من تلفونها. ما شافتنا. أو يمكن شافت، بس ما اهتمت. ليش تهتم؟ نحن ولدين قاعدين بالزاوية، نشرب شاي ونحچي. شنو يعني إلها.
"شنو تريد مني؟" سألت يزن.
"أريدك تساعدني."
"أساعدك بشنو؟"
"أريدك تتعرف عليها."
"شنو؟"
"أريدك تتعرف عليها. تصير صديقها. بعدين..."
"بعدين شنو؟"
"بعدين أنا أدخل."
حسيت إن راسي راح ينفجر. هذا مو يزن. هذا واحد ثاني. واحد لبس وجه يزن وقعد مكانه.
"يزن، أنت مجنون."
"لا، أنا واقعي. هي ما راح تفتح الباب لواحد عمره تسعة عشر. بس إذا أنت..."
"إذا أنا شنو؟ أنا هم عمري ثمانية عشر."
"بس أنت ولد صديقها. ولد صديق حيدر. يعني أنت داخل البيت أصلاً."
هنا فهمت. فهمت كل شي. يزن ما يريدني صديق. يزن يريدني باب.
"أنت تريدني أكون الباب مال دخولك."
"لا. أريدك تكون صديقي. وأريدك تساعدني."
"هذا نفس الشي."
"لا، هذا مو نفس الشي. لأني إذا دخلت، أنت راح تكون معي. مو ضدي."
شفت هيام مرة ثالثة. كانت تقوم هسه، تحط تلفونها بحقيبتها. حقيبة جلد أسود، غالية، واضح من بعيد. وقفت، وعدلت قميصها، ومشت نحو الباب. مرت قرب طاولتنا. قرب. قرب.
حسيت ريحة عطرها. شي مثل الفانيلا مع شي ثاني، شي حار. ما أعرف شنو. ما أعرف أسماء العطور. بس عرفت إن هالريحة راح تبقى بذاكرتي مدة.
يزن رفع يده.
"هيام خالة."
وقفت. شافت يزن. ابتسمت. ابتسامة صغيرة، مؤدبة، مثل ابتسامة اللي يعرفك بس ما يعرفك زين.
"يزن. شلونك."
"زين. هذا صديقي عمر."
شافتني. نظرت لي نظرة قصيرة، ثانية وحدة، بس حسيت بيها مثل دقيقة. عيونها بنية، كبيرة، وفيها شي... شي ما أعرف أسميه. شي مثل التعب. أو مثل الشي اللي شافته وخلصت منه.
"أهلاً عمر."
"أهلاً."
هذا كل اللي طلع مني. أهلاً. أنا اللي أحچي عادةً، اللي أعرف أتكلم، اللي أعرف أتصرف. بس قدامها، صرت مثل ولد صغير.
"شلون حيدر؟" سألها يزن.
"زين. مشغول بالامتحانات."
"الله يوفقه."
"شكراً."
وسكتنا كلنا. ثانية، ثانيتين. حسيت إن الوقت صار ثقيل، مثل الهواء قبل المطر.
"يلا، أنا لازم أروح. سلامتك."
"سلامتج."
مشت. طلعت من الباب، وراحت. والقهوة رجعت لطبيعتها. رجعت صوت الطاولات وصوت الدخان وصوت الشارع. بس أنا ما رجعت.
"شفت؟" قال يزن.
"شفت شنو؟"
"شفت شلون طالعتك."
"ما طالعتني. حچت وياي عادي."
"لا. طالعتك. طالعتك نظرة..."
"يزن، أسكت."
"ليش؟"
"لأنك تتخيل."
"أنا ما أتخيل. أنا أعرف."
حط يزن السيكارة بالمنفضة وشافني. هالمرة نظرة ثانية. نظرة مو تحدٍ. نظرة طلب. نظرة ولد صغير يريد من أبوه شي، ويعرف إن أبوه راح يرفض، بس يجرب.
"عمر، أنت صديقي الوحيد. الوحيد اللي أثق بيه."
"وأنا هم أثق بيك."
"إذا أثق بيك، ساعدني."
"ما أعرف أساعدك. هذا مو شي..."
"بس جرب. تعرف عليها. حچي وياها. إذا شفت إنها ما تريد، أنا أسكت."
"وإذا تريد؟"
يزن سكت. ما جاوب. بس ابتسم. ابتسامة عرفت معناها. عرفت إن يزن ما راح يسكت. عرفت إن يزن، إذا دخل هالباب، ما راح يطلع منه.
وأنا، بهذا الوقت، ما كنت أعرف إن هالباب راح يفتح عليّ أنا. مو عليه.
طلعت من القهوة وأنا أحس إن شي تغير. ما عرفت شنو. بس حسيت إن حياتي، اللي كانت عادية ومملة وشوي سخيفة، صارت واقفة على حافة شي. شي كبير. شي ما أعرف أسميه.
يزن مشى وياي بالشارع، يحچي عن شي ثاني، عن مباراة بكرة، عن واحد من رفقاته. كأنه ما قال شي. كأنه ما طلب مني شي. وأنا هم حچيت. ضحكت. سويت نفسي عادي.
بس بالليل، لما رجعت غرفتي وطكيت الباب، قعدت على السرير وطالعت بالسقف. وظلت هيام قدام عيني. مو وجهها. ريحتها. وشي ثاني. شي ما شفته بالقهوة، بس حسيت بيه. حسيت إنها، لما طالعتني، ما طالعت ولد. طالعت شي ثاني.
وهذا الشي خلاني خايف. مو من يزن. من نفسي.
Watch this moment
Turn the current scene into a cinematic Live Chapter — what you watch becomes the story's next part.
Disclaimer
This is a work of fiction, assisted by artificial intelligence. Any names or characters, businesses or places, events or incidents, are fictitious. Any resemblance to actual persons, living or dead, or actual events is purely coincidental.
Content Removal Policy
- Users may report content that may be illegal or violates our Standards.
- All reported complaints will be reviewed and resolved within seven business days.
- Review Process: Our team will assess the reported content against our guidelines.
- Appeals: If you disagree with a decision, you may appeal within 14 days of notification.
- Potential outcomes include: content removal, account warning, or no action if no violation is found.
To report content, email us at [email protected]